محمد بن زكريا الرازي
57
منافع الأغذية ودفع مضارها
خبز الطابق « 1 » وأمّا خبز الطابق فأخف من خبز التنور ، ولا سيّما متى رقق ، فهو لذلك أعسر خروجا ، وليس بأكثر غذاء من خبز التنور . وتبين مما ذكرنا أن أحوال صنوف الخبز في منافعها ومضارها تختلف بحسب الأبدان وأحوالها ومهنها وبلدانها ، إلّا أن الأبدان القوية الهضم ، أو الكثيرة التخلخل ، أو الكثيرة التعب ، تحتاج إلى الأكثر والأغلظ غذاء والأبطأ نزولا وتحليلا . وأما الأبدان المستحصفة « 2 » والمخصبة « 3 » والعديمة للتعب فتحتاج إلى الألطف غذاء والأسرع خروجا وتحللا . أوفق صنوف الخبز أوفق صنوف الخبز في أكثر الأحوال الحوّاري « 4 » المعتدل الملح والبورق « 5 » والتخمير المختبز في التنور المعتدل في غلظه ورقته ، لأن هذا خبز معتدل في كثرة الإغذاء وقلته وسرعة خروج سفله ويطئه ، والأبدان المعتدلة والقريبة من الاعتدال أكثر من التي في الإفراط . وكذلك الحال في المهن والبلدان ، فإن الناس المعتدلي التعب أكثر من المفرطي التعب والبطالين . وكذلك ساكنو البلدان المعتدلة والقريبة من الاعتدال أكثر من ساكني الواغلة « 6 » في الشمال والجنوب . وإنما اضطررنا إلى ذكر هذا الاتصال الكلام مع ضماننا أننا لا نشتغل بالعلل والأسباب ، لكن نشرح الأمور الجزئية والنافعة العائدة على الكل بالصلاح .
--> - وقول أبو زيد : فأدت للخبزة في الملّة : صنعت لها موضعا وفأدتها فيها والمقصود الذي يرمي إليه أبو بكر الرازي فيما أظن : الخبز الأغلظ فجاجة ونهوة وأقل نضجا من خبز الفرن وليس بمعنى الرماد الحار أو مكان الخبز . ( 1 ) خبز الطابق : سبق شرحه ونضيف عليه قول صاحب العين : هو الذي قد ذهب طعمه وبلله من شدّة الطبخ ( الناسّ من الخبز ) وقول ابن دريد : عن الخبزة اللحلحة اليابسة والعسوم والقطع من الخبز اليابس . ( 2 ) المستحصفة : القوية . ( 3 ) المخصبة : المنتجة الكثيرة التوالد والإخصاب . ( 4 ) الحواري : سبق شرحه . ( 5 ) البورق : سبق شرحه . ( 6 ) الواغلة : بمعنى الموغلة في العمق أو الاتجاه .